الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يشارك في مسيرة ضد حركة الشباب في مقديشو في 12 يناير 2023 


تم نشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية على موقع Middle East Eye ، وهي وكالة أنباء مستقلة تقدم تغطية وتحليلات عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها.


أدت هجمات مكافحة التمرد الحثيثة في الصومال في الأشهر الأخيرة إلى اندحار حركة الشباب التابعة للقاعدة، ويتمثل التحدي الآن في ضمان توطيد هذه المكاسب والحفاظ على الزخم والاستفادة منه لتحقيق الاستقرار المستدام بعد انتهاء النزاع.

أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في أغسطس / آب الماضي "حرباً شاملة" على حركة الشباب عقب حصار دامٍ لفندق أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصاً في مقديشو، مجدداً التزام حكومته بمضاعفة الجهود وتكثيفها في محاربة الجماعة المتشددة، حيث كانت حركة الشباب قد شنّت عدة هجمات جريئة منذ انتخاب محمود في مايو / أيار الماضي، بالإضافة إلى توغل عبر الحدود في إثيوبيا وغارة على قاعدة عسكرية على الحدود الإثيوبية-الصومالية، كلاهما في يوليو / تموز.

وتأتي "حرب محمود الشاملة" على حركة الشباب، تماشياً مع الفكر الحالي في مكافحة التمرد، لتكون أكثر بكثير من مجرد حملة عسكرية، حيث تتألف من ثلاثة مكونات رئيسة: أيديولوجية ومالية وعسكرية.

فعلى المستوى الأيديولوجي شرعت حكومة محمود في جهود لمكافحة التطرف العنيف، وجندت لهذا الغرض دعم علماء الدين لمواجهة أيديولوجية حركة الشباب، مع تبنيها أيضاً دمغة "الخوارج" لوصف الجماعة المسلحة، في محاولة لتجريدها من الشرعية الدينية.

وعلى الصعيد المالي تضمنت حملة محمود إجراءات وآليات تهدف إلى مواجهة تمويل حركة الشباب، حيث يُعهد إلى مركز التقارير المالية في البلاد بتنظيم تدفق النقد من جميع المؤسسات المالية، كما تسعى الحكومة أيضاً إلى إدخال نظام رقم التعريف الشخصي (PIN) لجميع الصوماليين لتحديد جميع التحويلات المالية وتتبعها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العمل جارٍ على قدم وساق أيضاً على تشديد الإجراءات الحالية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، مثل قانون مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب لعام 2016، وذلك لوقف تدفق الإيرادات إلى حركة الشباب. وقال مسؤولون صوماليون أيضاً إن الحكومة أغلقت ما يقرب من 250 حساباً مصرفياً وعلقت أكثر من 70 رقم هاتف محمول على صلة بالجماعة المسلحة.

نكسة كبرى

أما عسكرياً، فمنذ الإعلان الرئاسي، انخرطت قوات الأمن الصومالية تساندها الضربات الجوية للقيادة الأمريكية في أفريقيا وميليشيات العشائر المحلية، في عمليات مكثفة نجحت في طرد حركة الشباب من مساحات واسعة وسط الصومال، وبالتحديد في ولايتي هيرشابيلي وغالمودوغ. كما ورد أن مستشارين عسكريين أتراك يساعدون في تشغيل طائرات مسلّحة بدون طيار قدمتها أنقرة.

وقد استولى الجيش الوطني الصومالي في 16 يناير / كانون الثاني، بمؤازرة من مليشيات العشائر المحلية المتحالفة، على عدة مناطق في ولاية غالمودوغ، بما في ذلك مدينة حررطيري الساحلية الاستراتيجية التي تضم مرفأً، شمال شرق العاصمة الفيدرالية مقديشو. فكانت هذه نكسة كبرى لحركة الشباب، حيث كانت المدينة عقدة مفصلية في سلسلة التوريد لديها.

لكن العمليات ولّدت تحديات لوجستية للقوات الصومالية وسط خطوط الإمداد المنهكة ونقص القوات البرية اللازمة للامساك بالأراضي المحررة. وقد أدى ذلك إلى إبطاء التخطيط لتوسيع عمليات هجمات مكافحة التمرد، خاصة تجاه ولايتي الجنوب الغربي وجوبالاند. هذا بالإضافة إلى أن حركة الشباب ردت بسلسلة من الهجمات المضادة الفاشلة والهجمات البارزة ضد أهداف حكومية ومدنية في المراكز الحضرية، ومن ضمنها مقديشو.

وكانت الجماعة قد طُرِدت من مناطق واسعة من قبل، لكنها جمّعت شتاتها واستعادت تلك المناطق، مستفيدة من الجهود العشوائية لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في فترة ما بعد النزاع. وقد نجم أحد إخفاقات الجهود السابقة في الصومال عن الافتقار إلى حوار سياسي مدني شامل لتحديد الأولويات. وغالبًا ما أدت التوترات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي إلى تقويض جهود إعادة الإعمار وإحلال السلام في البلاد بعد انتهاء النزاع.

رسم خريطة للطريق

وعلى الرغم من مواصلة عمليات مكافحة التمرد الحالية في تحقيق مكاسب، فإن ثمة دلائل على أن الحكومة الفيدرالية تتطلع إلى تحقيق الاستقرار بعد انتهاء النزاع في المناطق التي استولت عليها حركة الشباب مؤخراً. ففي نوفمبر / تشرين الثاني، أعلنت الحكومة أنها ستعيد فتح المدارس في الأراضي المستولى عليها، وذلك بعدما كانت قد أرسلت اللوازم المدرسية إلى ولاية هيرشابيلي.

ما تزال تحركات تحقيق الاستقرار هذه حتى الآن مخصصة لأغراض محددة، ولا يبدو أنها جزء من خريطة طريق جيدة التنسيق يمكن الاسترشاد بها في صنع السياسات الحكومية. كان لدى السكان المحليين فيما مضى في المناطق التي استعيدت من حركة الشباب أمل ضئيل في الاستفادة من حكومة ضعيفة لا تستطيع توفير الأمن والتنمية اللازمين. وقد استفادت الجماعة المسلحة مراراً من فشل الدولة لتستعيد نشاطها وحضورها.

وفي بلد تسوده انقسامات عميقة على أسس عشائرية، يكون اعتماد الحكومة على خليط من الميليشيات العشائرية في هجومها لمكافحة التمرد محفوفاً بالمخاطر. ومن غير الواضح إلى متى ستوفر المشاعر المعادية لحركة الشباب الرابط الذي يحافظ على تماسك هذا التحالف. وتُظهر التجربة أنه عندما استولت القوات الحكومية على أماكن من حركة الشباب في الماضي، كانت الخلافات العشائرية المحلية - الحبيسة تحت غطاء القمع الجهادي - تميل إلى الظهور. ومن أمثلة ذلك الصراعُ العشائري بين عشيرتي عير ودودوبيلي في طوس مريب.

وهذا يؤكد أهمية الحوار الشامل بين العناصر ذات الصلة في الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي وأصحاب المصلحة المدنيين في التخطيط وتحديد أولويات التنمية وإعادة الإعمار، حيث تعد تلك العناصر مهمة لتحقيق الاستقرار في الأراضي المستولى عليها مؤخراً بعد أن تصمت المدافع.

كما ينبغي أن يهدف الحوار أيضًا إلى معالجة قضايا مثل تقاسم السلطة والموارد على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية. فلطالما أدت إخفاقات الدولة والافتقار إلى إحراز تقدم ذي مغزى إلى خلق بيئة خصبة للحرب الأهلية والإرهاب والتمرد المسلح في الصومال. لقد حان الوقت الآن لبذل كل جهد ممكن لضمان تحقيق استقرار مُنَسَّق وفعّال بعدما تضع الحرب أوزارها، منعًا لانتكاسة نعيد العنف أو نعيد حركة الشباب إلى الظهور.


يمكنم قراءة المقال باللغة الانجليزية على موقع ميدل إيست آي