​​​​​​​​عقد مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني (CHS)، بالشراكة مع المركز الدولي لبحوث التنمية (IDRC) في كندا، ورشة عمل مغلقة في الخرطوم لبحث أثر النزاع في منظومة البحث والمعرفة في السودان، وتحديد الأولويات العاجلة لدعمها وإعادة بنائها.

وعُقدت الورشة في جامعة الخرطوم تحت عنوان (منظومة البحث والمعرفة في السودان في ظل النزاع)، بمشاركة ممثلين عن جامعات حكومية وخاصة، ومؤسسات بحثية، ومراكز دراسات، ومنظمات مجتمع مدني من داخ​ل السودان.

وتندرج الورشة ضمن مشروع (تمكين منظومات البحث في الدول الهشة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: مقاربة تستند إلى ترابط النزاع والتنمية والسلام)، الذي يُنفَّذ في السودان واليمن. ويدرس​ المشروع أثر النزاعات في مؤسسات البحث والباحثين ومصادر التمويل والشبكات العلمية. كما يبحث في سبل تعزيز الصلة بين إنتاج المعرفة وصنع السياسات، وفي قدرة البحوث المنتجة محليًّا على دعم الاستجابة للأزمات والتعافي وصنع السياسات العامة.

واستكملت ورشة الخرطوم مشاورات أولية عُقدت في الدوحة في 27 حزيران/ يونيو 2026، وشارك فيها باحثون وأكاديميون سودانيون مقيمون في دولة قطر. وأتاح عقد الورشة داخل السودان الاستفادة من خبرات المؤسسات والباحثين الذين يواصلون عملهم وسط تداعيات النزاع، كما أتاح فهمًا أوضح للكيفية التي تحاول بها الجامعات والمؤسسات البحثية مواصلة التدريس وبرامج الدراسات العليا والنشاط البحثي، والحفاظ على الحد الأدنى من انتظام العمل المؤسسي.

وأشار المشاركون إلى أن منظومة البحث والمعرفة في السودان تتعرض لضغوط شديدة؛ إذ تسببت الحرب بأضرار بالبنية التحتية للجامعات، ودفعت باحثين وأعضاء هيئة تدريس إلى النزوح، وأربكت التمويل وبرامج الدراسات العليا، وقيّدت الوصول إلى البيانات والموارد الأكاديمية. وأضعفت هذه الظروف قدرات المؤسسات، وأدت إلى تفكك شبكات بحثية وتشتت مجتمعات أكاديمية.

وعلى الرغم من أن التعليم الإلكتروني قد ساعد بعض الجامعات على مواصلة جزء من أنشطتها، فإن ضعف الكهرباء والاتصال بالإنترنت، ومحدودية الوصول إلى الأجهزة والتقنيات الرقمية، قلّص أثره، ووسّع الفجوة بين الجامعات والطلاب.

كما أظهرت المناقشات ضعف الروابط المؤسسية بين البحث العلمي وصنع السياسات العامة. وأوضح المشاركون أن التعاون بين الجامعات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني يجري غالبًا عبر علاقات شخصية أو مشروعات قصيرة الأجل، لا من خلال قنوات مؤسسية مستقرة، وهو ما يضعف استفادة صناع القرار من نتائج البحوث، ويحد من إسهامها في الاستجابة للأولويات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وجهود بناء السلام في السودان.

وحددت الورشة ثلاث أولويات رئيسة تتمثل في: حماية السجلات والبيانات والخبرات المتراكمة داخل المؤسسات من الضياع، ودعم الجيل الجديد من الباحثين، وإنشاء قنوات مؤسسية دائمة تربط البحث العلمي بصنع السياسات. ودعا المشاركون إلى توسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية السودانية، ووضع آليات لحفظ البيانات والمنشورات والمعرفة المؤسسية المهددة بالضياع بسبب النزاع. كما شددوا على أهمية دعم طلبة الدراسات العليا والباحثين في بداية مسيرتهم الأكاديمية، وتعزيز مهاراتهم في مناهج البحث والتحليل وإعداد أوراق السياسات.

وتناولت الورشة أيضًا سبل إسهام الباحثين السودانيين في المهجر في دعم المؤسسات داخل البلاد، من خلال الإشراف الأكاديمي، والبحوث المشتركة، والتدريب، والشراكات المؤسسية المستدامة. وشدد المشاركون على أن تُبنى هذه المساهمات على احتياجات المؤسسات السودانية وأولوياتها، وأن تسهم في تعزيز قدراتها. كما أشاروا إلى الحاجة إلى مصادر تمويل أكثر استقرارًا وتنوعًا، وإلى أطر إدارية وقانونية تمكّن الجامعات من إدارة مواردها وشراكاتها بفاعلية أكبر.

وخلصت الورشة إلى أن النهوض بمنظومة البحث والمعرفة شرط أساسي لاستعادة المؤسسات لقدراتها، وتمكين الخبرات السودانية من الإسهام في تعافي البلاد.

وستُبنى المرحلة المقبلة من المشروع على نتائج مشاورات الدوحة والخرطوم، وستشمل استكمال حصر المؤسسات البحثية ورسم خريطة أدوارها واحتياجاتها، وإجراء مشاورات إضافية مع أصحاب المصلحة، وصياغة خيارات عملية لتعزيز منظومة البحث والمعرفة في السودان. كما ستُستخدم هذه النتائج في إعداد مقترحات تدعم دور البحوث السودانية في صنع السياسات والتعافي وبناء السلام.