عقد مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني (CHS) يوم الأحد 8 شباط/ فبراير 2026، في مقره في الدوحة محاضرة عامة تحت عنوان "تحديات الوساطة وبناء السلام في زمن الانقسام: الحرب على غزة وأوكرانيا وجنوب السودان وأفغانستان". ألقاها البروفيسور دايسوكو هيغاشي، أستاذ ومدير برنامج الدراسات العليا في التعاون الدولي في جامعة صوفيا بطوكيو، وأدار مَحاورها د. شون ديلي، زميل أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني.

قدم البروفيسور هيغاشي عرضًا تحليليًّا يجمع بين الإطار النظري والخبرة التطبيقية في مجالات الوساطة وبناء السلام في النزاعات المعاصرة، منطلقًا من أطروحة مركزية ترى أن الشرعية الداخلية للسلطات الحاكمة المتشكلة في مرحلة ما بعد النزاع ركيزة أساسية لاستدامة السلام. واستعرض على ذلك نموذجًا تفسيريًّا يرتكز على أربعة عناصر مترابطة، شملت دور الأمم المتحدة، وشمولية العملية السياسية، لا سيما من حيث المصالحة وعدم الإقصاء، وعدالة توزيع الموارد، ومستوى استخدام القوة أو الإكراه، موضحًا أثر تفاعل هذه العناصر في امتثال الفاعلين المحليين للترتيبات الانتقالية السياسية والأمنية والمؤسسية لما بعد النزاع، أو عدم امتثالهم، وما يترتب عليها من ترسيخ شرعية الدول الداخلية أو تآكلها. وطبق عليه مجموعة من دراسات الحالة، شملت غزة وأفغانستان وجنوب السودان وأوكرانيا، ناقش فيها حدود المقاربات التقليدية لبناء السلام، ودعا إلى تبني مقاربات بناء السلام التكيفي (Adaptive Peacebuilding Approaches) التي تراعي الخصوصيات المحلية لكل سياق، وتوازن بين المعايير الدولية والوقائع السياسية على الأرض.

وفي هذا السياق انتقد البروفيسور هيغاشي مقاربة العقوبات الاقتصادية الشاملة، لا سيما تلك التي طبقت في الحالة الأفغانية، محذرًا مما تنطوي عليه من مفارقات إنسانية وأخلاقية قد تقوّض مضامينها المعلنة في حماية المدنيين وتعديل سلوك السلطات الحاكمة، مشيرًا إلى الحاجة لتبني بدائل تركز أكثر على دعم الاستقرار وتعزيز مسارات الاعتماد الذاتي.

وأكد، في سياق تناوله للحرب في كل من غزة وأوكرانيا، أولوية وقف إطلاق النار، وتفعيل أدوار الوساطة متعددة الأطراف، ورفض ترسيخ الوقائع التي تفرضها القوة العسكرية، مع تشديده على ضرورة التمسك بالمبادئ المؤسسية للمنظومة الدولية، وفي مقدمتها سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

اختتم البروفيسور هيغاشي محاضرته بإشادته بالدور المتنامي لدولة قطر ودولة اليابان، بوصفهما "مسهّلين عالميين" (Global facilitator) لديهما القدرة على الربط ما بين المسارات الدبلوماسية والإنسانية والتنموية، ضمن مقاربات تكيفية لبناء السلام، في ظل سياق دولي يشهد تصاعدًا في الاستقطاب والانقسام.

واختتمت المحاضرة، التي شهدت مشاركة مجموعة من الأكاديميين والمختصين والممارسين وطلبة الدراسات العليا، بنقاش تناول الأثر الإنساني للحرب على غزة، والنزاعات في أوكرانيا وجنوب السودان، والأوضاع في أفغانستان.

​