اختتم مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، بالشراكة مع دورية "حِكامة" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، ورشة عمل بعنوان: "نحو أُطرٍ فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة"، عُقدت بالتوازي مع المنتدى السنوي الرابع لفلسطين، ما بين 24 و26 كانون الثاني/ يناير. وجمعت الورشة باحثين قدموا اثنتي عشرة ورقةً بحثية مُحكَّمة، وقادة من المجتمع المدني، وخبراء سياسات أثْرَوا جلسات الورشة.
وإذ تأتي هذه الورشة ضمن المحاولات الجادة لإعادة موضعة الفاعلية الفلسطينية في قلب النقاش الدائر حول إعادة إعمار غزّة، وتطوير مساراتٍ مستقلة ومستدامة للإعمار يقودها فاعلون فلسطينيون، في ظل الحرب الإباديّة المستمرة على القطاع، فإنها تنطلق من مهمةٍ أساسية تتمثل في وضع الخبرة الفلسطينية، وقضايا السيادة، والاستراتيجيات المتجذّرة في المجتمع المحلي، في صميم أي تصور لإعادة الإعمار، وفي مواجهة الخطط المفروضة من فواعل خارجية، والتي تنطوي على مخاطر إعادة إنتاج علاقات التبعية والهيمنة، وتحويل عمليات الإعمار إلى أداة لإدارة الأزمة بدل معالجتها جذريًّا.
وفي هذا السياق أوضح د. غسان الكحلوت، مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، أن "ورشة العمل تأتي في لحظة بالغة الدلالة، في ظل تصاعد الطروحات الدولية التي تُقدَّم تحت عنوان "إعادة إعمار غزة"، بينما تحمل في جوهرها محاولةً لإعادة تعريف غزّة والقضية الفلسطينية خارج إطار الحقوق والسيادة." مضيفًا أن "ما يُطرح اليوم لا يمكن قراءته كمشروع إعمار تقني، بل كمسارٍ يعيد استبدال السياسة بالإدارة، والحقوق بالمشاريع، والسيادة بالوصاية، بينما يُقصي الفلسطيني من معادلة القرار المتخذ بشأن أرضه ومستقبله."
كما أكّد عبد الفتاح ماضي، رئيس تحرير دورية "حِكامة"، في كلمته أن جلسات الورشة ركّزت بشكلٍ مركزي على عمليات إعادة الإعمار في قطاع غزة، ومقارباتها المختلفة في السياقين الفلسطيني والإقليمي، وتحليل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها. وأوضح أن الأوراق المشاركة قدّمت بدائل وسياسات عملية قابلة للنقاش والتطبيق.
شكّلت الورشة، عبر أربع جلساتٍ نقاشية وأربع طاولاتٍ مستديرة، مساحةً نقدية لمراجعة نماذج إعادة الإعمار السائدة، ولا سيّما المقاربات التكنوقراطية ومنطق «رأسمالية الكوارث» التي تتجاهل سياق الاستعمار الاستيطاني والحصار المستمر. وأكّد المشاركون أن هذه المقاربات تُفرغ الإعمار من مضمونه السياسي والأخلاقي، وتحصره في إعادة إنتاج شروط المعيشة الدنيا، بدل ضمان الحياة الكريمة وحقوق السيادة، مشدّدين على أن بقاء الفلسطينيين في أرضهم وحقهم في تقرير المصير يشكّلان أساس أي عملية إعمار ذات شرعية.
خلال الطاولة المستديرة الأولى "غزة بعد وقف إطلاق النار: الواقع الإنساني وحدود التعافي"، جرى تناول الأوضاع الإنسانية الكارثية وحدود مقاربات التعافي المبكر، مع التأكيد على البعد الاجتماعي والسياسي للإعمار، وخطورة إقصاء الفاعلين المحليين من هياكل المساعدات الدولية، والدور المحوري للمجتمع المدني والنساء الفلسطينيات في تعزيز جهود الصمود وإعادة الإعمار.
بينما في الطاولة المستديرة الثانية "الحوكمة: من يدير غزّة" طُرح سؤال الحوكمة بوصفه محورًا أساسيًّا في أي تصور للإعمار، حيث ناقش المشاركون الحاجة إلى أطر حُكمٍ فلسطينية شرعية تعبّر عن الإرادة المحلية، وتتحرر من الوصاية الخارجية، وتضمن الملكية الفلسطينية لعملية الإعمار.
تناولت الجلسة الثالثة بشكلٍ مكثف مفهوم الأمن بوصفه سؤالًا سياسيًّا وأخلاقيًّا، خلال الطاولة المستديرة الثالثة بعنوان "أمنُ مَن: نحو حماية الفلسطينيين"، مع تشديد النقاش على ضرورة صياغة إطار حماية يتمحور حول الفلسطينيين واحتياجاتهم، بدل إخضاعهم لمنظومات أمنية خارجية تُعيد إنتاج ظروف التهميش والمعاناة.
بينما جرى التأكيد في الطاولة المستديرة الرابعة بعنوان "سياسات إعادة الإعمار: من الاقتلاع إلى التعافي" على أن الإعمار لا يمكن اختزاله في الجوانب التقنية والبُنى المادية، بل يجب أن يكون مشروعًا مجتمعيًّا شاملًا لإعادة إنتاج الحياة والكرامة.
هذا وقد بلورت الورشة خلال أيام انعقادها فكرة محورية مفادها أن الأزمة لا تتمحور حول الخطط التقنية فقط، بل في طبيعة النموذج الحاكم لعمليات إعادة الإعمار؛ فالمطلوب ليس مجرد تبنٍّ لخططٍ جديدة، بل إحداث تحوّلٍ جذري في المقاربة، يُعاد فيه تعريف الإعمار بوصفه امتدادًا لحق تقرير المصير الفلسطيني، لا أداة للتهدئة السياسية أو إدارة السكان. وفي هذا الإطار، خلصت النقاشات إلى رؤى استراتيجية لتعزيز الحَوكمة المحلية، وتمكين المجتمع المدني، وتصميم أطر تضمن أن تتبنى عملية إعادة الإعمار قيم الكرامة والمساءلة والعدالة، تمهيدًا لمستقبلٍ يقرره الفلسطينيون أنفسهم.
ومن المقرر أن تُترجم مخرجات الورشة إلى مجموعة من المنتجات المعرفية، تشمل تقريرًا معمّقًا، ومقالات رأي، وأوراق سياسات، لتكون مرجعًا أساسيًّا لصنّاع السياسات والمناصرين وجميع أصحاب المصلحة الملتزمين بتحقيق تعافٍ عادل ومستدام لقطاع غزة.