أطلق مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، بالتعاون مع دورية "حِكامة" للإدارة العامة والسياسات العامة، ورشة عمل بعنوان "نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة". بدأت أعمال الورشة يوم السبت 24 كانون الثاني/ يناير 2026، وتستمر ثلاثة أيام، على هامش فعاليات المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة.

يأتي هذا التجمع استجابةً للضرورة العاجلة لوضع خطط تعافي قطاع غزة في أعقاب الحرب المستمرة، مُرَكِّزاً على تعزيز الوكالة الفلسطينية والخبرات والسيادة في نقاشات غالبًا ما تهمش الأصوات المحلية. ويهدف إلى تطوير أطرٍ مستدامة وعادلة ومستقاة من المجتمع لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع.

وتتضمن الورشة أربع جلسات نقاشية وأربع طاولات حوارية مستديرة، توفر منصةً للحوار متعدد التخصصات. ومن أبرز المحاور التي تتناولها: تحليل السياسات الدولية لإعادة الإعمار وتأثيرها على السيادة الفلسطينية، والدور المحوري للفاعلين المحليين والمنظمات غير الحكومية والمرأة في قيادة عمليات التعافي، واستراتيجيات إعادة إعمار النسيج الاجتماعي والبنية التعليمية، واستكشاف بدائل محلية لتحقيق الأمن الغذائي وسبل العيش.

افتُتحت أعمال الورشة بكلماتٍ ترحيبية ومفاهيمية ألقاها كل من الدكتور غسان الكحلوت، مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، والدكتور عبد الفتاح ماضي، رئيس تحرير دورية "حِكامة"، والدكتور نور الله منور، الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، حيث قدموا الإطار العام للورشة وأهدافها الرامية إلى إبراز الرواية الفلسطينية فيما يخص عمليات إعادة الإعمار، وتعزيز الملكية المحلية في مواجهة تحديات إعادة الإعمار الجسيمة.

ترأست الدكتورة مروة فرج الجلسة الأولى، التي ناقشت موضوع "سياسات إعادة الإعمار في غزة ومركزية البقاء الفلسطيني"، وتضمنت ثلاث أوراق بحثية. قدم خلالها طلال أبو ركبة ورقة بعنوان "سياسات إعادة الإعمار في غزّة: نحو مقاربة شاملة تربط بين التخطيط العمراني وإعادة بناء الدولة والمجتمع المحلّي"، في حين تناول يوسف جبارين في ورقته "سياسات إعادة الإعمار في غزّة: تأثير مراكز الفكر الإسرائيلية والأميركية وآفاق تفكيكها"، وقدمت ماندي تيرنر تحليلاً نقدياً بعنوان "إعادة الإعمار في غزّة بوصفها أداةَ حُكم: الإدارة الاستعمارية ومنطق تهدئة التمرد ورأسمالية الكوارث في خطط دونالد ترامب". وقد سلطت الأوراق الضوء على التفاعل المعقد بين سياسات القوة ومتطلبات الصمود الفلسطيني.

وتناول النقاش تحليل خطط إعادة إعمار غزّة المطروحة حاليًّا، وآفاق امتلاك الفلسطينيين هذه العمليات أو مقاومتها، في ضوء ما تنطوي عليه من مقاربات تقنية وأمنية تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة والتبعية. كما تطرّق المشاركون إلى حدود هذه الخطط وقدرتها الفعلية على تلبية احتياجات المجتمع الغزّي، في ظل تغييب الإرادة الفلسطينية عن دوائر صنع القرار. وناقشوا التحديات البنيوية التي تواجه الفلسطينيين في صياغة مسارات إعادة إعمار مستدامة، مع إسقاط المخططات الدولية الجاهزة خارجيًّا، وتعذّر بناء الدولة، واستمرار منظومة الاحتلال والحصار، بوصفها عوائق مركزية أمام أي تعافٍ حقيقي.
كما شَهِد اليوم الأول للورشة طاولةً المستديرة بعنوان "غزة بعد وقف إطلاق النار: الواقع الإنساني وحدود التعافي" أدارها محمد السوسي، باحث أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، ناقش خلالها خبراء محليون التحديات الإنسانية الحالية والقيود التي تعيق جهود التعافي. وخرج النقاش بتوصياتٍ عملية لتعزيز صمود السكان، وتحسين التنسيق بين الفاعلين الفلسطينيين للمضي نحو خطواتٍ واقعية للتعافي.
تستمر الورشة على مدى اليومين التاليين في جلسات وحوارات متعمقة تركز على بناء مستقبل بقيادةٍ فلسطينية لقطاع غزة، تشمل تحليل سياسات الإعمار، وقضايا الحوكمة، ودور التعليم في إعادة بناء المجتمع، والسعي نحو تحقيق السيادة والأمن الفلسطيني، والانتقال من نموذج استخراجي عند التفكير في إعادة الإعمار إلى نموذج تعافٍ مستدام. تهدف هذه النقاشات في مجملها إلى صياغة أطرٍ عملية وعادلة لإعادة إعمار غزة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.