أعاد تدشين ما يُسمّى «مجلس السلام»، خلال اجتماعِ قادةٍ من دول العالم في دافوس، في 22 كانون الثاني/ يناير 2026، توجيه أنظار المجتمع الدولي مرةً أخرى نحو إعادة الإعمار في قطاع غزّة. وعلى الرغم من هذا التركيز، جرى التغاضي عن مفارقةٍ عميقة تتمثل في أن القوى ذاتها التي تضع مخططاتٍ تقنية للحَوكمة، وتفكيك السلاح، وتنسيق المساعدات، تعجز عن وقف الإبادة الجماعية المستمرة.

فمع بدء المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار الراهنة، تحولت النقاشات التي ظلّت زمنًا طويلًا ضمن الإطار النظري المجرد إلى خططٍ ملموسة، ولم تعد- من ثَمَّ- عملية إعادة الإعمار فرضية نظرية، غير أنّ وقف إطلاق النار وحده لا يوفّر الشروط اللازمة لبدء مسار التعافي، بل إنه من دون ضماناتٍ واضحة، وحرية عودة النازحين إلى مناطقهم، وآليات إنفاذٍ ذات مصداقية، يوشك قطاع غزّة أن يقع مجددًا في دورة متكررة: وقف لإطلاق النار، فعملية إعادة إعمار، فالتدمير مجددًا. ويبقى السؤال المركزي: كيف يمكن أن تبدأ عملية إعادة الإعمار في الوقت الذي تستمر فيه الإبادة؟

لمقاربة هذا السؤال، وسعيًا لتمكين إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية، يعقد مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني ورشة عملٍ نوعية بعنوان «نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة»، في الدوحة، ما بين 24–26 كانون الثاني/ يناير 2026.

يجمع هذا الحدث أكثر من خمسةٍ وثلاثين خبيرًا فلسطينيًّا؛ من أكاديميين ومعماريين ومهندسين وفاعلين في المجتمع المدني؛ للنظر في المسارات الممكنة لإعادة إعمار غزّة. وتركز الورشة على محورية الأصوات الفلسطينية، فتستعرض بقراءة تحليلية الواقع الإنساني، والقيود الصارمة التي تمنع التعافي في أعقاب وقف إطلاق النار. وتدور نقاشاتها حول سياسات إعادة الإعمار، مع اهتمامٍ خاص بأدوار الفاعلين الفلسطينيين والعرب.

تسعى الورشة كذلك إلى الإجابة عن أسئلةٍ ملحّة حول الآليات المطلوبة لضمان حماية المدنيين، والتحديات السياسية المتعلقة بالحَوكمة والتعافي. ولا ينصبّ التركيز على إدارة الوضع القائم فقط، بل على التفكير في الشروط الموضوعية التي يجب أن تتغير كي تصبح إعادة الإعمار ممكنة. يأتي ذلك في وقتٍ تنطوي فيه المقترحات الدولية لـ«اليوم التالي» على أخطار تعزيز ترتيبات الوصول وصنع القرار التي تُقوّض سلامة المدنيين، وتقيّد عودتهم، وتتركّز- بموجبها- سلطة إعادة الإعمار خارج نطاق السيادة الفلسطينية.

تهدف ورشة المركز- التي تعقد في هذه اللحظة الحرجة- إلى إعادة توجيه النقاش نحو مبدأين أساسيين جرى تهميشهما بصورةٍ منهجية:

المبدأ الأول: حمايةُ المدنيين المدعومة بضماناتٍ أميركية قابلة للإنفاذ، بوصفها شرطًا سابقًا لإعادة الإعمار، فمن دون ضماناتٍ موثوقة بعدم استئناف العنف واسع النطاق، ستكون خطط الإعمار غير مؤكدة، وعودة المدنيين غير مرجّحة. فعلى الرغم من أن المرحلة الثانية من الخطة قد تُبطئ وتيرة القتل، فإنها تظل في غياب تلك الالتزامات قابلةً للانهيار الكامل.

وقد أشار خبيرٌ فلسطيني في إعادة الإعمار، في اليوم الأول للورشة، إلى أنّ "إعادة الإعمار تكون مصممة لتبدأ بعد انتهاء الحرب، أمّا في قطاع غزة فيبدأ التخطيط لها والحرب ما تزال قائمة". وهذا الترتيب المقلوب للمراحل بالغ الدلالة: فإعادة الإعمار تشترط تحقُّق ظروف الأمان والعودة، والحرب تجعلها متعذرة. وهذا التحليل هو ما يُفسّر سبب فشل خطط الإعمار تحت الحرب؛ ذلك أن التخطيط للإعمار لا يكون حينها هو المشكلة المركزية، بل أن الشروط التي تسمح للتعافي بأن يتحقق تظلّ مفقودة.

وتكتسب الضمانات الأميركية أهميةً في هذا السياق، لكونها الآلية الأبرز القادرة على كبح الممارسات السياسية والعسكرية الإبادية التي عطّلت مرارًا جهود الإعمار السابقة. ولا يمكن للإعمار أن يتحقق إلا حين يكون الفلسطينيون قادرين على العودة والمشاركة في الحوكمة دون خوف. هذه الشروط لازمةٌ لغرس بذور تعافٍ حقيقي؛ وبدونها يتحول الإعمار إلى مسارٍ مستمرٍّ للعنف والاستغلال وترسيخ سياسات الأمننة.

والمبدأ الثاني: أن الفاعلية السياسية الفلسطينية تمثل شرطًا لازمًا لحَوكمة فعّالة وتعافٍ مستدام. فمقاربات الإعمار التي تقوم على تخطيطٍ خارجي وتنفيذٍ هرمي من أعلى إلى أسفل كثيرًا ما تُخفق في تحقيق نتائج دائمة على الأرض. وحين يُقصى الفاعلون المجتمعيون عن دوائر اتخاذ القرار، تفقد عمليات الإعمار قيَم الملكية المحلية والمساءلة والاستدامة.

وقد أشار خبيرٌ فلسطيني في الشؤون السياسية، خلال الورشة، إلى أنّ «الإعمار، بناء على خطة ترامب، يواجه خطر مركزته حول الاستثمار الخارجي واستغلال الموارد، بما يستبدل فعليًّا الملكية السياسية الفلسطينية بأولوياتٍ مفروضة من الخارج، وتتبع لقوانين السوق». وبهذا تستبدل الحَوكمة باستغلال الموارد، وتصبح سلطة القرار خارج غزّة، ويعاد إنتاج الهشاشة السياسية التي يُفترض أن تعالجها عملية إعادة الإعمار بمفهومها الشامل.

إن فرص نجاح عمليات الإعمار تزداد حين يكون للأصوات الفلسطينية مشاركة ومساهمة مؤثرة في التخطيط والتنفيذ. كما أنّ إعطاء الأولوية للنشاط الاقتصادي الفلسطيني وللاحتياجات التي يحددها المجتمع يعيد تأطير الإعمار بوصفه مسارًا تنمويًّا لا استغلاليًّا. فمن دون وكالةٍ فلسطينية تظل إعادة الإعمار عمليةً إدارية يمارسها الآخرون، ولا يشترك فيها الفلسطينيون بالضرورة.

لا يمكن اختزال عملية إعادة الإعمار في الإجراءات التقنيّة المحضة، فالإعمار مع استمرار الإبادة والتطهير العرقي والتهجير ينتج بنىً بلا حماية أو تعافٍ مستدام. إعادة الإعمار ليست إدارةً للركام؛ ولكنها استعادةٌ للمستقبل. ويواجه «مجلس السلام»، بوصفه جزءًا من بنية حَوكمةٍ أوسع تقودها أطرافٌ خارجية لإعادة إعمار غزة، خيارًا مصيريًّا: إمّا حماية الحياة الفلسطينية ودعم الحق السيادي في إعادة الإعمار، وإمّا التواطؤ في مسارٍ يعزز الشروط التي تُمهّد لدورةٍ جديدة من التدمير والعنف.

ترتكز مناقشات ورشة العمل التي ينظمها المركز على هذين المبدأين، وحولهما تدور الجلسات الجارية، لا بهدف إعادة التأكيد على الضرورات والاحتياجات المعروفة، بل لتحويلها إلى أطرٍ ملموسة تساهم في ترتيب المراحل، وصياغة آليات التنفيذ اللازمة لإعادة الإعمار. فسبب فشل المخططات ليس نقص التفاصيل أو المعلومات؛ وإنما تجاهل الشروط التي تجعل عمليات إعادة الإعمار مستدامة. ومن دون حماية المدنيين، وعودتهم الآمنة، ومشاركةٍ سياسية فاعِلة، تظل إعادة الإعمار سابقةً متعذرة، ومُفصَّلة تقنيًّا بشكل حضري، ولكنها هشّة سياسيًّا، ومعرّضة للانهيار.​