لطالما اضطلعت قطر بدور محوري في الوساطة ورعاية المفاوضات وقيادة جولات متعاقبة من إعادة الإعمار في قطاع غزة، ومن المرجح أن تواصل هذا الدور في المستقبل المنظور. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدًا في جهود منسّقة تهدف إلى تشويه صورة قطر وتقويض دورها كوسيط. فقد انتشرت حملات تضليل إعلامية في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، تقودها منظمات يمينية متطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة، وتُدار عبر شبكات من الحسابات الآلية، بهدف نزع الشرعية عن الدور القطري، في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى قدراتها الدبلوماسية في الوساطة.

ويُعدّ توقيت هذه الحملات لافتًا؛ إذ يتزامن مع تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وقطر. فقد تبين أن هجوم إسرائيل، في 9 أيلول/ سبتمبر 2025، على فريق التفاوض التابع لحماس في الدوحة كان خطـأ استراتيجيًّا فادحًا، دفع إدارة ترامب إلى تعزيز علاقاتها مع قطر. فقد قدّم الرئيس ترامب ضمانات أمنية، ووقّع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) اتفاقيات تعاون مع الأجهزة الأمنية القطرية، كما صدر أمر تنفيذي، في 29 أيلول/ سبتمبر، يؤكد على التعاون المشترك في مجالي الدفاع والأمن. وتعكس هذه الخطوات إدراك واشنطن لأهمية الدور القطري بوصفه ركيزة أساسيّةً في التوسط وتنفيذ أي اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

بعيدًا عن ضجيج الهجمات المنسقة، تبرز ثلاث نقاط رئيسة تستحق التوقف عندها:

أولًا، يتطلب أي حل تفاوضي للأزمة في غزة قربًا فعليًّا وتواصلًا شاملًا مع جميع الأطراف. ويزعم منتقدو قطر أنها دعمت الإرهاب من خلال استضافة مكتب حماس. غير أن هذا المكتب، الذي أُنشئ بناءً على طلب الولايات المتحدة لتيسير المفاوضات في الدوحة، أثبت أهميته البالغة في جهود إدارة النزاع دوليًا. فمنذ افتتاحه عام 2012، شهدت غزة أربع حروب كبرى على الأقل، وتصعيدات متعددة، تطلّب كل منها وساطة متعددة الأطراف لتهدئة الأوضاع وحلها، ولولا وجود مقر مركزي لإجراء المفاوضات لأصبحت جهود الوساطة بالغة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة، إذ كان البديل سيقود إلى تشتت القادة الفلسطينيين بين طهران والقاهرة وإسطنبول، بدلًا من وجودهم في موقع يسهل الوصول إليه ويوفر قنوات اتصال واضحة.

لا يقتصر دور قطر على إدارة الأزمات الآنية، بل يمتد ليشمل تمكين التحولات السياسية طويلة الأمد؛ إذ إن أي تسوية مستدامة ستتطلب معالجة القدرات العسكرية لحماس وقيادتها السياسية، وهي عمليات تستلزم وسيطًا موثوقًا، ومن ثم فإن قطر، بما تملكه من شبكة علاقات فريدة، مؤهلةٌ لتيسير التحولات الحساسة، سواء عبر التوسط في ترتيبات نزع السلاح أو بتوفير ملاذ آمن لقادة حماس المغادرين.

ثانيًا، يواجه قطاع غزة دمارًا غير مسبوق يتطلب ما يقدر بنحو 70 مليار دولار لإعادة إعماره. وتمتلك قطر، ودول الخليج عمومًا، مفاتيح إعادة إعمار غزة على نطاق واسع؛ نظرًا إلى قدراتها المالية وشبك​ات علاقاتها مع الفاعلين الإقليميين والدوليين الرئيسيين.

علاوة على ذلك تمتلك قطر سجلًا حافلًا في تنفيذ مشاريع إسكان وبنية تحتية معقدة في ظل ظروف بالغة الصعوبة خلال جولات إعادة الإعمار السابقة التي أعقبت الحروب في غزة. وفي الوقت نفسه، لن تُقدِم أي دولة على التزام واسع النطاق بتمويل إعادة الإعمار في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومن دون إحراز تقدم ملموس نحو تنفيذ وقف إطلاق النار.

وتكشف التناقضات في الهجمات الموجهة ضد قطر عن الكثير؛ فعلى مدى سنوات زعم منتقدوها، من الإسرائيليين واليمين المتطرف، أن جهود قطر لإعادة الإعمار ترقى إلى مستوى دعم استراتيجي لحماس، مستخدمين ذلك للمطالبة باستبعاد الدوحة من أي دور في غزة بعد الحرب. واليوم، في أعقاب تصريح رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بأن قطر لن تعيد بمفردها بناء ما دمرته إسرائيل، تعود الجهات نفسها لاتهام الدوحة بالتقاعس عن دعم إعادة الإعمار، وتساوي بين هذا الموقف ودعم هجمات حماس. وتكشف هذه السرديات المتناقضة أن الهدف ليس سوى تشويه سمعة قطر بأي ثمن، بغض النظر عن مواقفها الفعلية أو سياساتها على الأرض.

إن محاولات إسرائيل تقويض دور قطر تهدف في جوهرها إلى الحفاظ على الوضع الراهن؛ فقد أتاح اتفاق وقف إطلاق النار لإسرائيل متنفسًا على المستوى الدولي، سمح لها بمواصلة هجماتها اليومية على الفلسطينيين في قطاع غزة، وتوجيه أعمالها العدوانية إلى سوريا واليمن والسودان وغيرها. وبناء عليه فإن تشويه صورة الطرف الأكثر أهمية في المفاوضات الجارية يستهدف عرقلة التقدم نحو تنفيذ وقف إطلاق النار، الذي يترتب عليه انسحاب إسرائيلي كامل من غزة. ولا تقتصر عواقب ذلك على غزة فحسب؛ إذ إن الهجوم الممنهج على الوسطاء يبعث برسالة واضحة مفادها أن المشاركة الدبلوماسية ستُعاقَب بدلًا من حمايتها، وهي رسالة تقوّض أسس حلّ النزاعات في فلسطين والمنطقة بأسرها.

والخيار هنا ليس مجرد خيار نظري، فإما أن تُحمى الوساطة بوصفها ضرورة لتحقيق التقدم السياسي، وإما أن يُضحى بها في سبيل إدارة أزمات دائمة. ويُبرز دور قطر هذا الخيار بوضوح. إن تشويه صورة الوسيط لا يُسهم في تحقيق السلام أو المساءلة أو إعادة الإعمار، بل على العكس يتسبب في تأخيرها. وفي غزة، لن يُقاس ثمن هذا التأخير بالسرديات السياسية، بل باستمرار عدم الاستقرار وتفاقم المعاناة.