نظم مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، الخميس 26 شباط/ فبراير 2026، في مقره بالدوحة، حفل إطلاق "تقرير الوساطة العالمي 2026: وساطة السلام في زمن الانهيار المعياري والمؤسسي".
يأتي إصدار هذا التقرير في مرحلة تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، وتصاعدًا في النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، إلى جانب تراجع الأطر المعيارية والمؤسسية التي لطالما شكلت مرجعية لجهود الوساطة وصنع السلام. وفي هذا السياق، يقدم التقرير قراءة تحليلية معمقة لواقع وساطة السلام في البيئات المعقدة، مستندًا إلى دراسات حالة من مناطق تشهد نزاعات ممتدة، من بينها غزة، والسودان، والقرن الأفريقي، ومنطقة البحيرات العظمى.
جمع الحدث، في جلسة حوارية، نخبة من الخبراء والأكاديميين البارزين في مجالات الوساطة والدبلوماسية وبناء السلام، من بينهم أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمية؛ وسارة هيلملر، الأستاذة الباحثة في معهد جنيف للدراسات العليا؛ ودان سميث، المدير السابق لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، في حين أدارها الدكتور محجوب الزويري، أستاذ السياسة وتاريخ الشرق الأوسط المعاصر.
استهل الحفل بكلمة افتتاحية ألقاها مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، الدكتور غسان الكحلوت، أكد فيها أن "التقرير صمم ليكون مرجعًا سنويًّا يجمع بين تحليل السياسات، وخبرة الممارسين، ودراسات الحالة المقارنة في سياقات عالية التعقيد، وموجّهًا إلى الباحثين وصنّاع السياسات والوسطاء"، موضحاً أن هذا التقرير يعد "تقريرًا تحليليًّا نقديًّا، يهدف إلى فهم التحوّلات البنيوية التي تعيد تشكيل ممارسة الوساطة الدولية، وتقييم أثرِ تراجع النظام متعدد الأطراف، وعودةِ منطق القوة، على فرص الوساطة وحدودها العملية"، وأشار إلى أن "صدور التقرير عن مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني إنما هو امتداد مباشر لرسالة المركز منذ تأسيسه عام 2016، المتمثلة في معالجة فجوةٍ معرفية تتعلّق بضعف إسهام المنطقة العربية في إنتاج المعرفة حول النزاعات والوساطة".
وأوضح الدكتور شون دييلي، محرر التقرير وزميل أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، أن التقرير أُعدّ بالشراكة بين المركز ونخبة من الباحثين والخبراء الدوليين، ويرصد تحولات عميقة تطال قواعد النظام الدولي، ولا سيما تآكل القواعد التي تحظر استخدام القوة واستهداف المدنيين. وأشار إلى أن النموذج التقليدي لبناء السلام والوساطة يمر بأزمة متزامنة مع تراجع الدور الغربي وصعود فاعلين جدد، ومقاربات أكثر مرونة وعملية. وأكد أن تحقيق السلام المستدام يتطلب تجاوز الهدنات المؤقتة نحو معالجة جذور النزاع وإشراك جميع الأطراف في عملية سلام شاملة.
وفي جلسة حوارية حول السلام في مناطق النزاع، أشار أليكس دي وال إلى تزايد هشاشة جهود السلام في القرن الأفريقي، مبينًا أن المنطقة كانت تستفيد سابقًا من هيكل دولي متين لبناء السلام، لكن السنوات الخمس عشرة الأخيرة شهدت تراجعًا حادًّا في هذه القدرات. وأوضح أن اتفاقيات السلام أصبحت قائمة على صفقات قصيرة الأجل تموّلها جهات إقليمية، مع تراجع الدعم الدولي، خاصة من الولايات المتحدة، ما جعل عملية السلام رهينة للتفاهمات السياسية المؤقتة.
وأكد دي وال أن السلام الدائم يتطلب تحقيق مكاسب ملموسة للمواطنين، تشمل تحسين الخدمات وتعزيز الأمن وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما تدهور في مختلف أنحاء المنطقة، مع الإشارة إلى تجربة السودان منذ ثورة 2019 بوصفها نموذجًا واضحًا لتحديات بناء السلام المستدام.
من جانبها، وسّعت سارة هيلملر النقاش ليشمل النزاعين السوري والفلسطيني‑الإسرائيلي، مشيرة إلى أن التحولات العالمية جعلت المقاربات العسكرية تحظى بالأولوية على الحلول السياسية، وتراجع دور الأطر متعددة الأطراف لصالح الوساطة الثنائية، ما همّش دور الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.
أما دان سميث فسلط الضوء على الصورة العالمية للنزاعات، مؤكدًا ارتفاع عدد النزاعات النشطة عالميًّا، وتفاقم المخاطر المرتبطة بالإنفاق العسكري وانتشار الأسلحة النووية، إضافة إلى ضعف التعاون الدولي في مواجهة تحديات تغير المناخ وتأثيره على النزاعات. ليختم بالتأكيد على ضرورة تجديد الجهود لإحياء المعايير والمؤسسات الدولية وبناء هيكل عالمي للسلام قبل وقوع أي كارثة كبرى.
يمكنكم الاطلاع على التقرير باللغة الانجليزية عبر الرابط