تم نشر المقال الأصلي باللغة الانجليزية على موقع Al Jazeera English
من المقرّر أن ينتهي في شهر يناير / كانون الثاني (2023)، سريان مفعول قرار حاسم كان مجلس الأمن الدولي قد أصدره، وهو يسمح بإدخال المساعدات عبر الحدود إلى سورية من دون موافقة الحكومة السورية. وشكّلت عمليات الإيصال هذه منذ العام 2014، شريان حياة لملايين الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها المتمرّدون في شمال البلاد. وقد يؤدّي الفشل في التمديد، في ظل أوضاع الشتاء القاسية والأزمة الاقتصادية العالمية، إلى كارثة إنسانية.
وعلى خلاف التصوّر الشائع بأن الوضع في سورية قد استقرّ، وأن السوريين لم يعودوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، تفاقمت الأوضاع، خاصة في الشمال الغربي الذي يسيطر عليه المتمرّدون، وازدادت سوءًا منذ فترة طويلة. ولا يزال نظام الأسد وروسيا يحولان دون إمكانية الوصول إلى الغذاء والدواء والضروريات الحياتية الأخرى. وقد ساهمت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، والحرب في أوكرانيا، فضلًا عن الانكماش الاقتصادي العالمي الناجم، في تفاقم الأزمة. وكان لاستفحال التضخّم في تركيا المجاورة تأثير مدمّر على الاقتصاد في المنطقة، إذ تُستخدم الليرة التركية على نطاق واسع إلى جانب الدولار الأميركي.
واليوم، هناك نحو أربعة ملايين شخص في شمال غرب سورية بحاجة ماسّة إلى المساعدة. يعاني أكثر من 3.1 مليون نازحًا داخليًا من انعدام الأمن الغذائي. في حين أن المياه النظيفة نادرة. وتنتشر الأمراض المعدية الخطيرة مثل الكوليرا، إذ تفضّل العائلات إنفاق النزر اليسير من المال الذي في حوزتهم، على الطعام بدلاً من شراء مواد للتنظيف. ويتفاقم الوضع الأمني أيضًا باستمرار، مع تزايد الاشتباكات بين الفصائل المسلّحة وهجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقصف الذي تقوم به القوات الحكومة. ففي الشهر الماضي فحسب، قتلت الهجمات الصاروخية التي استهدفت مخيم مرام للنازحين في إدلب ما لا يقل عن 10 مدنيين، بينهم أطفال.
على الرغم من كل ما سبق، فإننا نشهد انخفاضًا حادًا في المساعدات الإنسانية لسورية، بسبب جائحة فيروس كورونا أولًا، ثم بسبب تحوّل التمويل الدولي تجاه أزمة أوكرانيا. نتيجة لذلك، تسعى المنظمات الإنسانية جاهدة لردم الفجوة المتنامية بين الاحتياجات المتزايدة وتناقص الموارد.
ومع اقتراب الموعد النهائي لتجديد القرار الذي يتيح إدخال المساعدات عبر الحدود، هناك حاجة لإعادة التفكير في كيفية تقديم المجتمع الدولي للمساعدات إلى سورية. إذ أنه هناك بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها لضمان وضع حدّ لمعاناة ملايين السوريين الذين تحمّلوا سنوات من النزاع.
أولًا، يجب الإقرار بأن موافقة روسيا ليست ضرورية لإيصال المساعدات عبر الحدود إلى سورية بموجب القانون الدولي الإنساني.
منذ البداية، عرقلت موسكو الجهود الدولية الساعية لإيصال المساعدات إلى السكان المحاصرين في سورية. وكانت روسيا هي التي طلبت تجديد قرار مجلس الأمن الدولي بشأن إدخال المساعدات عبر الحدود كل ستة أشهر - وكان التجديد سنويًا في الأصل، وكانت تهدّد باستمرار بالسماح بانتهاء صلاحية القرار. ومع ذلك، وبموجب القانون الدولي الإنساني، يقع على عاتق جميع أطراف النزاع الالتزام بالسماح للجهات الفاعلة في المجال الإنساني بتقديم الإمدادات الأساسية إلى السكان المتضرّرين - ولا يحق لأي شخص استخدام حق النقض ضد العمل الإنساني.
يتركز الاهتمام الدبلوماسي حاليًا على ضمان تجديد قرار إدخال المساعدات عبر الحدود. ولكن هناك حاجة لتحويل محور الاهتمام، ولا بد من التذكير بمسؤوليات المجتمع الدولي بموجب القانون الدولي الإنساني، للتوصّل إلى حلول بديلة من شأنها أن تحافظ على تدفّق المساعدات عبر الحدود في حالة عدم التمديد في شهر كانون الثاني/ يناير.
وتسعى العديد من الدول والمنظمات الدولية بالفعل، لتحقيق هذا الهدف. فقادت المملكة المتحدة، على سبيل المثال، عملية إنشاء صندوق نقدي مشترك يكون بديلًا لتسهيل عملية تدفّق الأموال إلى المنظمات غير الحكومية، الدولية منها والسورية، في حال عدم التجديد للقرار في كانون الثاني/ يناير 2023. لكن من غير المرجّح أن تواصل منظمات الأمم المتحدة عمليات إدخال المساعدات عبر الحدود من دون قرار يصدره مجلس الأمن الدولي، بما يتماشى مع تفسيرها لما يشكّل احترامًا لمبدأ سيادة الدولة. ومع ذلك، وكما جاء في تقرير حديث صدر بتكليف من التحالف الأميركي للإغاثة من أجل سورية (American Relief Coalition for Syria ARCS)، فإن منظمات الأمم المتحدة تحظى بولاية قانونية لمواصلة عمليات إدخال المساعدات عبر الحدود بموجب القانون الدولي. ولا يؤدي اللجوء إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلا إلى استمرار تسييس المساعدة لسورية.
ثانيًا، يحتاج المجتمع الدولي في هذه المرحلة أيضًا، إلى البدء بالتفكير في تغيير نوع المساعدات التي يقدّمها إلى شمال سورية. إذ بدلًا من أن تكتفي مختلف الأطراف بالسعي إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية والعاجلة فحسب، عليها التركيز على عملية تعزيز التنمية وبناء القدرة على الصمود في المنطقة، من خلال المشاريع طويلة الأجل التي تتمحور حول الاستدامة وتعزيز الطابع المحلّي. هذا ليس بمثابة تحدٍّ فحسب، يسعى إلى جمع تمويل إضافي في بيئة شحيحة الموارد، ولكنه يشكّل عملية تربط أيضًا بشكل أفضل، بين الجهود الإنسانية من جهة، والتنموية من جهة أخرى.
وطالما هناك بعض الجهات المانحة، مثل النرويج وسويسرا، التي تتّجه نحو التمويل متعدّد السنوات، وتميل إلى دعم برامج التنمية في شمال غرب سورية، سيكون هناك مجال كبير للسير قُدُمًا.
إن التحوّل إلى نهج طويل الأجل يعزّز الانتعاش الاقتصادي ويبني القدرات في مجال توفير الخدمات ويدعم القدرة على الصمود، سيكون مفيدًا حتى إذا حظي قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بإدخال المساعدات عبر الحدود على تمديد آخر لمدة ستة أشهر في كانون الثاني/ يناير، لأنه سيخفّف من اعتماد المنطقة على المساعدات الخارجية والدعم على المدى الطويل. وإذا لم يتم التمديد للقرار، يكتسب هذا النهج أهمية أكبر.
إن عملية تحويل محور المساعدات الدولية إلى بناء القدرات، هي مسألة بالغة الأهمية أيضًا، نظرًا لاحتمال تحقيق عودة اللاجئين السوريين على نطاق واسع خلال العام المقبل.
وفي تركيا حيث يقيم ملايين السوريين حاليًا، يكتسب الخطاب المناهض للاجئين زخمًا في ظلال تفاقم المتسارع لأزمة غلاء المعيشة. وقبيل انتخابات عام 2023، تراهن أحزاب المعارضة على المشاعر المتنامية المعادية للاجئين إذ تتعهّد بإعادة السوريين إلى وطنهم بشكل جمْعي. وتناول حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان مسألة اللاجئين. وتطرّق أردوغان نفسه إلى خطط إعادة مليون لاجئ على الأقل عبر الحدود.
تتطلّب العودة المحتملة لمئات الآلاف من اللاجئين إلى سورية اهتمامًا عاجلاً من الوكالات الإنسانية والمنظمات العاملة في مجال التنمية، فضلًا عن الجهات المانحة. إن زيادة الطلب على الأموال والموارد المالية المنهكة، ستجعل عملية الحفاظ على المستوى الحالي المتدنّي لإيصال الإمدادات إلى المحتاجين، أكثر صعوبة. ولن تعود أغلبية اللاجئين إلى مواطنهم الأصلية، ولكنهم سيصبحون مشرّدين داخليًا في شمال غرب سورية- وهي منطقة مزدحمة بشكل متنامٍ وتواجه أزمات اقتصادية وإنسانية. وهناك قضايا ضخمة تتعلّق بالسلامة والأمن نظرَا إلى عملية توثيق "انتهاكات حقوق الإنسان وممارسات الاضطهاد على أيدي الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها" والتي يعاني منها العائدون من الأردن ولبنان، فضلًا عن استمرار القتال بين الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومة.
تحتاج المنظمات الوطنية والدولية إلى وضع خطط وتوقّع سيناريوهات بناءً على القدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العائدين في منطقة شمال سورية كلّها. ويجب على المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة تكثيف جهودها الدبلوماسية لضمان إجراء هذه المفاوضات بطريقة منظّمة تتيح العودة الآمنة والطوعية للاجئين.
بوجيز العبارة، وبعد سنوات من الدعم المتعثّر، من واجب المجتمع الدولي السعي لتمكين الأربعة ملايين شخص المحاصرين في شمال غرب سورية، من المباشرة ببناء قدرتهم على الصمود، وعدم الاكتفاء بتلبية احتياجاتهم الأساسية فحسب.
أمّا على المدى القصير، وبغض النظر عن مصير قرار مجلس الأمن الدولي بشأن إدخال المساعدات عبر الحدود، فلا بدّ من ضمان الوصول غير المشروط لجميع السوريين، للمساعدات الحيوية، وبخاصة الغذاء والماء. ويتطلّب ذلك تغطية إعلامية دولية وحملات لجمع الأموال لتشجيع التبرّعات من أجل الأزمة السورية التي غابت عن الوعي العام إلى حد كبير مع انتشار الأزمات العالمية. ويجب تمكين السوريين على المدى الطويل، من إعادة بناء حياتهم وسبل عيشهم، وعدم الاكتفاء بدعمهم للبقاء على قيد الحياة فحسب.
يجب ألا يكون الشعب السوري رهينة السياسات.