تم نشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية من قبل The New Humanitarian ، وهي وكالة أنباء متخصصة في الإبلاغ عن الأزمات الإنسانية.

فرضت القيود التي أعلنتها حركة طالبان على تعليم الفتيات قلقًا من تراجع الحكم الأفغاني، فقد أغلقت طالبان مدارس الفتيات الثانوية منذ أكثر من عام. إلا أنّ هناك من يعتقد أن المشاركة الدولية يمكن أن تشجع طالبان على اتخاذ خطوات إيجابية بشأن هذه القضية تعود بالنفع على الفتيات وعلى البلد.

قد يبدو ظاهريًّا أن لا شيء سيتغير، لكن وراء الكواليس كانت هناك بالفعل موجة من التحركات في الأشهر القليلة الماضية، حيث يعمل كبار مسؤولي طالبان على تغيير تلك السياسة التي لا تحظى بشعبية في خضمّ الخلافات الداخلية الحاصلة.

خلافات بين الرتب

فوجئ معظم أعضاء طالبان، ومن ضمنهم وزير التعليم بالوكالة حينذاك، بالإعلان المفاجئ في آذار/ مارس عن إغلاق القائد الأعلى لمدارس الثانوية العامة للفتيات إلى أجل غير مسمى. ويقدر عدد طالبات الثانوية بنحو 3 ملايين فتاة. ورغم أن كبار ضباط طالبان - باستثناء ثلة قليلة منهم - ليسوا معارضين لمدارس الفتيات، إذ إن بناتهم وزوجاتهم تلقين التعليم لسنوات، فقد جاء هذا القرار نتيجة ضغوط من مجموعة صغيرة من المستشارين المحافظين المتطرفين.

وقد استمر العديد من كبار المسؤولين في طالبان في التأكيد لوسائل الإعلام والدبلوماسيين بأنهم يعملون على إعادة فتح المدارس؛ إذ إنهم يدركون تمامًا أن أفغانستان ستبقى عرضة للتدخل الأجنبي ما لم يركزوا على رفع مستوى مواطنيها، وهو ما يتطلب تعليم كل من الذكور والإناث، ومن ثم تتزايد مخاوف كثيرين في طالبان من انهيار حكومتهم إذا لم تتغير سياستهم.

انتشرت الشائعات على مدى شهورٍ عدّة داخل دوائر طالبان أن القائد الأعلى، هبة الله أخوندزاده، قرر التراجع عن قرار الإغلاق، وانتظر كثيرون أخبارًا جيدة حيال ذلك، لكن نائب وزير الخارجية تلقّى تحذيرًا علنيًّا من القائم بأعمال رئيس وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في أيار/ مايو، وذلك بعد أن دافع عن تعليم الفتيات في مؤتمر بُثَّ على التلفاز، وكذلك خُفِّضت رتبة وزير التعليم بالوكالة الذي يناصر تعليم الفتيات وحل محله رجل دين من قندهار.

وبينما بقيت المدارس الابتدائية وكذلك الجامعات مفتوحة للنساء والفتيات أُغلقت المدارس الثانوية رسميًّا، وهذا ما يؤكد أن هذه السياسة ناتجة عن تناقضات داخلية بين فصائل طالبان، فضلًا عن أن القرار لم يُنفَّذ في جميع أرجاء أفغانستان، إذ ظلت المجالس المحلية في مقاطعتين تسمح للمدارس الثانوية العامة بالعمل.

عجز المساعدات الدولية

ناضلت منظمات الإغاثة الدولية بشدة في التعامل مع الأوضاع الصعبة التي فرضت منذ تولي طالبان السلطة في آب/ أغسطس 2021.

فقد انهار النظام المالي في أفغانستان بعد أن جمدت الولايات المتحدة أصول البنك المركزي الأفغاني، وتسلمت السلطة حكومة طالبان غير المعترف بها دوليًّا بقيادة عدة وزراء أسماؤهم مدرجة في قائمة عقوبات مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب، وهو ما دفع المانحين إلى تعليق المساعدة التي مولت 75 في المئة من نفقات الحكومة السابقة. ومنذ ذلك الحين أضحت البلاد ترزح تحت وطأة فقرٍ مدقع، وأصبح 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر.

واقتصرت غالبية المساعدات الدولية على الإغاثة الإنسانية قصيرة الأجل، أما المساعدات الإنمائية، التي من المفترض أنها تحقق مكاسب السلام المستدام، فقد توقفت بالكامل تقريبًا في ظل غياب أي شراكة وطنية مع سلطات الأمر الواقع.

إذًا ماذا حل بقطاع التعليم؟

تولى المانحون الدوليون دعم نظام التعليم من خلال برامج مكثفة تعاونوا فيها مع وزارة التعليم وقدموا لها دعمًا فنيًّا وماليًّا مستمرًا قبل استيلاء طالبان على السلطة، أما بعد ذلك فلم يعد هناك أي دعم مالي مباشر من خلال وزارة التعليم، ولم يعد هناك أي تنسيق وطني لبرامج الدعم، فالمانحون لا يريدون المخاطرة بتحويل أموالهم دوليًّا إلى إدارة تقودها طالبان.

قد يكون الخوف من تحويل الأموال أحد الأسباب، ولكن ثمة سبب آخر يتجلى فيما عُرف عن فساد وزارة التعليم في ظل النظام السابق، ومن ثم فإن قطاع التعليم اليوم يعاني افتقاد دعم المجتمع الدولي في وقت هو بأمس الحاجة إليه.

يتمثل موقف العديد من الجهات الفاعلة في المساعدة في تجنب العمل مع النظام الثانوي الرسمي لأنه تمييزي بطبيعته في ظل إغلاق مدارس الفتيات، إلا أن هذا الموقف - رغم حسن النية - من شأنه أن يفضي إلى عجز القدرات المؤسسية لهذا النظام للفتيان والفتيات أيضًا في حال عادت الفتيات إلى الفصول الدراسية.

حاليًّا يتمثل أهم هدف إنمائي في أفغانستان في الاحتفاظ بالموظفين المدنيين المؤهلين، مثل المعلمين، في البلاد؛ إذ يمثل هؤلاء الموظفون 20 عامًا من الاستثمار الدولي في الموارد البشرية الأفغانية.

ستفقد أفغانستان عقودًا من التنمية بسبب زيادة هجرة العقول إذا أُجبر هؤلاء المواطنون على ترك مهنتهم أو بلدهم لأنهم لا يستطيعون تحقيق العيش الكريم. وقد خرج بالفعل عشرات الآلاف من هؤلاء الموظفين من أفغانستان بعد الإجلاء الجماعي للمدنيين الدوليين في نهاية آب/ أغسطس 2021.

وبينما تولى المانحون الدوليون بشكل أساسي دفع رواتب المعلمين في ظل النظام السابق، ودفعت اليونيسف رواتب المعلمين في الشهرين الأول والثاني من عام 2022 مباشرة عن طريق التحايل على الوزارات التي تقودها طالبان، فإن هذا التمويل توقف بعد الإخفاق في إعادة فتح مدارس البنات الثانوية في آذار/ مارس.

كما دفعت طالبان رواتب للمعلمين بضعة أشهر، وكان من بينها رواتب بأثر رجعي للمعلمات اللاتي تلقين تعليمات بالبقاء في المنزل بعد استيلاء طالبان على السلطة مباشرة، لكنهم ذكروا منذ ذلك الحين أنهم قادرون على دفع 30 في المئة فقط من رواتب المعلمين، ولذا فإن نظام التعليم سيؤول إلى الانهيار في حال عدم تقديم أي دعم استباقي للاحتفاظ بالمعلمين.

المحادثات مع المتشددين ودعم المعلمين الأفغان

يعد وضع مدارس الفتيات ذا أهمية بالغة؛ لأنها تحدد أيضًا مدى إمكانية رفع المشاركة الدولية مع طالبان، ومن ثم زيادة الدعم الدولي للتنمية وإعادة الإعمار.

ومن نافلة القول إن الحوار الدولي مع طالبان يجب أن يستمر من أجل إلغاء قرار إغلاق مدارس الفتيات، ذلك أمرٌ مفروغٌ منه، إلا أن المشكلة تكمن في أن الممثلين الدوليين يتحدثون فقط مع نفس دبلوماسيي طالبان البراغماتيين، وفي هذا السياق وسياقات مشابهة يبدو الأمر وكأن الكنيسة تعظ الجوقة؛ فهم بالأصل يتفقون معهم. فيجب على المحاورين الدوليين عوضًا عن ذلك أن يتعاملوا مع الوزراء المتشددين المسؤولين عن الإغلاق. وقد تكون المؤتمرات الدينية التي تعقد حول حقوق النساء والفتيات سياقات مفيدة لإجراء مثل هذه الحوارات. لكن الدعوة والحوار وحدهما ليسا كافيين، بل يجب على المانحين الدوليين أن يستمروا في دفع رواتب المعلمين دون شروط؛ فهذا النوع من الضغط أثبت عدم فاعليته مع طالبان؛ هذا كي لا يقع نظام التعليم الوطني ضحية السياسات المتطرفة لمجموعة صغيرة من الأفراد.

لقد أصبح واضحًا أيضًا أن إعادة فتح مدارس الفتيات ستكون مرهونة بمتطلبات الفصل الجديدة التي تفرضها حركة طالبان، التي تستخدم تعريفًا أوسع للفصل يتطلب تخصيص أنظمة نقل حافلات منفصلة للفتيات وتوظيف معلمات إناث، وما إلى ذلك.

تعد تلبية هذه الشروط تحديًا تنفيذيًّا كبيرًا يواجهه قطاع التعليم الذي يعاني نقصًا مزمنًا في الموارد، لكنه إن تخطاه فمن المحتمل أن ترتفع معدلات تعليم الفتيات في المناطق الريفية، حيث لم تكن معظم الفتيات يذهبن إلى المدرسة حتى في ظل الحكومة السابقة المدعومة من الغرب. لهذا اتخذت اليونيسف مؤخرًا خطوة مهمة بإنشائها 140 فصلًا تعليميًّا مجتمعيًّا للفتيات والفتيان بالقرب من قراهم في مقاطعتي خوست وباكتيكا.

وأخيرًا، تتمثل المعضلة الدائمة في أن فصل المساعدات الدولية عن اختصاص السلطات الوطنية في ظل حكم طالبان يقوض قدرة الحكومة الأفغانية على تقديم الخدمات على المدى الطويل، ولذا لا يمكن تأجيل هذه المسألة إلى أجل غير مسمى.

إذًا فالأمر لا يتعلق فقط بنظام طالبان، بل إنه يتعلق بمستقبل مؤسسات الدولة الأفغانية أيضًا، ومن ثم فينبغي بدء محادثات جادة حول إعادة تفعيل آلية المساءلة الوطنية بمشاركة خبراء أفغان في أقرب وقت ممكن، فهذا من شأنه أن يبني الثقة اللازمة لضمان التزام جميع الأطراف بشفافية المعونات ونزاهتها.

إن كل يوم ينقضي دون اتخاذ خطوات عملية يقلل من احتمالية إعادة فتح المدارس الثانوية في الوقت المناسب للفتيات المراهقات اليوم. ستُزَوَّج العديد منهن أو أنهن سيحملن أو ستسلب منهن طموحاتهن في تطوير الذات لينتهي بهن الأمر في شغل وظائف وضيعة، وهذا يفضي إلى حرمانهن ظلمًا من حقهنّ في الوصول إلى الخدمة الأكثر أهمية في تحديد نوعية بقية حياتهن.

حتى أولئك اللاتي عدن إلى المدرسة سيعانين صدمة هذا الفصل؛ لأنهن الآن يتساءلن إن كنّ سيبقين محاصراتٍ في بيوتهن ومجبراتٍ على المتابعة بصمت في حين تقع انتهاكات أخرى لحقوقهن، لتغدو حياتهن أشبه بمن يقبع خلف القضبان الحديدية.

كلما أسرع المجتمع الدولي في تكثيف الجهود لدعم تعليم الفتيات الأفغانيات، والتي يجب أن تشمل إيجاد صيغة تفاهم مع طالبان، ستتمكن البلاد من العودة إلى المسار الصحيح على الطريق الصعب لبناء سلام عادل وشامل.