يُبيّن الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الديناميّات المتغيّرة والمؤثرة للنزاع في إسرائيل/ فلسطين. وقد تسبّب غياب حركة حماس عن هذه المواجهة بتغيير ملحوظ مقارنةً بالحروب السابقة التي كان يحرّكها منطق تصاعدي إلى حدٍّ بعيد يسم الهجمات التي كانت تندلع بين جناح حماس العسكري والجيش الإسرائيلي.

وكانت القوات الإسرائيلية قد اعتقلت، الأسبوع الذي سبق، القياديَّ في حركة الجهاد الإسلامي بسام السعدي، في جنين، المدينة التي أصبحت مركزًا محوريًّا للمقاومة في فلسطين، بعد أن خرجت فعليًّا عن السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية. وبعد أيّام، اغتال الجيش الإسرائيلي تيسير الجعبري، قائد المنطقة الشمالية لـ"سرايا القدس" [الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي] في غزة، ليباشر بعدها بقصف أراضي القطاع تحسّبًا لهجمات انتقامية.

وفي إثر حرب غزّة المدمّرة عام 2014، ساد الهدوء القلق والنسبي سبع سنوات، إلى أن نشبت الحرب في أيار/ مايو 2021، فأصبح الوضع في غزة منذ تلك اللحظة متقلّبًا بصورة متنامية. وبرزت التوتّرات بشأن المسجد الأقصى بوصفها فتيلًا يشعل النزاع، وأصبحت المواجهة بين حركة الجهاد الإسلامي وإسرائيل عامل توتر رئيسًا آخر.

وغالبًا ما تشن إسرائيل هجماتها على غزة قبيل انتخابات الكنيست. ويمكن تفسير توقيت هذا الهجوم الأخير بأن الحكومة الإسرائيلية تسعى من ورائه لتعزيز صورة رئيس الوزراء يائير لابيد، بوصفه زعيمًا صارمًا وحاسمًا. وقد تُفسَّر هجمات إسرائيل بأنها اعتداء على وكيل إيراني، تحاول إسرائيل من خلالها إفشال المحادثات المبذولة لتجديد الاتفاق النووي الإيراني.

وأشار آخرون إلى أنّ الهجوم الإسرائيلي كان يهدف، إلى حدٍّ بعيد، إلى القضاء على المكاسب التي حقّقتها حركة حماس في حرب 2021، والتي تبوّأت من خلالها مكانة محامي الدفاع عن القدس؛ إذ إنها ربطت بشكلٍ استراتيجي الوضعَ في غزة بقضايا أوسع تؤثر في الأراضي الفلسطينية كافة. ووفق هذه القراءة، يُعدّ غياب حركة حماس عن ساحة المعركة تضعضعًا في مصداقيتها بوصفها حركة مقاومة، ومظهرًا لارتباكها؛ لعدم قدرتها على التحكّم بأفعال حركة الجهاد الإسلامي.


أزمة إنسانية

أصبح تضافر الجهود ضروريًّا لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة وتغيير الوضع القائم فيه؛ فهناك حاجة ماسّة إلى اتخاذ إجراءاتٍ عاجلة للحؤول دون تفاقم أزمة إنسانية كبيرة. وكانت غزة تشهد، لسنوات، الزحف البطيء لكارثة إنسانية، إذ يعتمد 80 في المئة من السكان على المساعدات، في حين يتجاوز معدّل الفقر فيها 50 في المئة، وتقارب نسبة البطالة فيها 47 في المئة.

وقد يؤدي اندلاع أعمال العنف الأخيرة إلى مزيد من تدهور الأوضاع، إذ كانت الحرب الأخيرة قد تسبّبت من جديد بإغلاق مؤقت للمعبرَيْن الحدوديَّيْن كرم أبو سالم (كيرم شالوم[1]) وإيرز [في بيت حانون]، ما عرقل حركة الأشخاص والبضائع من غزة وإليها. وسابقًا أُطلقت تحذيرات واضحة تفيد بأنه في خضم أزمة الوقود وإغلاق الحدود ستضطر مستشفيات غزة إلى التوقّف عن العمل في أيّ وقت. وقد أعادت إسرائيل (بعد إعلان وقف إطلاق النار) فتح الحدود، وهو أمر جوهري لضمان بدء عمليات إعادة التأهيل وإعادة الإعمار.

وتبدو مسألة وقف إطلاق النار بالغة الأهمية، ويجب ألاّ تُجَرَّ غزة إلى موجة أخرى من الأعمال العدائية تستمر طويلًا. إذ حذّر مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط من "هشاشة وقف إطلاق النار"، وأنّ تجدُّد العنف ستترتّب عليه "عواقب وخيمة".

ومن المهمّ أيضًا التذكير بأنّ قدرة إسرائيل على شنّ حملات عسكرية قصيرة ومدمّرة، مثل تلك التي شهدناها مؤخرًا، بتكلفة سياسية منخفضة جدًّا، هي نتاج تراجع الدعم الإقليمي والدولي لفلسطين. وقد ساهمت موجة التطبيع العربي مع إسرائيل في تعزيز هذا الوضع، في الوقت الذي صار قادة العالم الآخرون يميلون إلى الإدلاء بتصريحات جوفاء مثل "الوقوف إلى جانب إسرائيل"، و"حقّها في الدفاع عن نفسها". وتبدو هذه التصريحات فارغة، ولا سيما بالنظر إلى أنّ الاغتيال الذي يستهدف زعيمًا سياسيًا، والتي تليه ضرباتٌ استباقية، لا يُعدّ دفاعيًّا بأية حال.


ضرورة الوحدة

إنّ هذا الواقع المتمثّل بتراجع الدعم للقضية الفلسطينية يؤكد الحاجة الملحّة إلى السير قُدُمًا نحو تحقيق الوحدة الفلسطينية. قد تُعدّ العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة محاولة لعرقلة الخطوات باتجاه تحقيق تلك الوحدة الفلسطينية التي تحقّقت خلال حرب 2021، والتي تجلّت في إعادة ربط القضايا العابرة للحدود الجغرافية والسياسية، بدءًا من أراضي الضفة الغربية المحتلة وصولًا إلى أراضي عام 1948 وقطاع غزة.

ولا بد أن يعمّق التصعيد الأخير الشرخ بين حركتَيْ الجهاد الإسلامي وحماس، ما يجعل الوضع أكثر عرضة للانفجار. غير أنه في ظل تراجع الدعم العالمي للقضية الفلسطينية، لم يعد هناك أيّ مبرّر للانقسامات الداخلية التي تشكّل عائقًا رئيسًا يحول دون إنشاء منصّة سياسية فاعلة قد تقضي في يوم من الأيام على واقع الاحتلال.

شهدت غزة في الأيام الأخيرة عدوانًا دمويًّا، وما هذا سوى إنذار قاس بأنه ما لم تتحقّق العدالة للفلسطينيين فسيبقى الوضع في جميع أنحاء البلاد عرضة للانفجار؛ إذ تخضع حياة وسبل عيش أكثر من مليوني فلسطيني محاصر في غزة للمعادلات السياسية التي تجعل المساعدات الإنسانية والإنمائية، المجزّأة والضئيلة، مرهونةً بعمليّة تهدئة المخاوف الأمنية الإسرائيلية.

وقد جرى وصف هذه الصيغة بـ "الإغاثة مقابل التهدئة"، في الوقت الذي تبنّت فيه الحكومة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة سياسة "الاقتصاد مقابل الأمن" في قطاع غزة. صحيح أنّ مثل هذه التدابير قد توفّر الحد الأدنى من الارتياح والاستقرار القصير الأجل، لكنها في نهاية المطاف محكوم عليها بالفشل في ظل الاحتلال والحصار.



[1] هو معبر كرم أبو سالم، لكن الاحتلال يسمّيه كيرم شالوم.



©Middle East Eye, published with permission. Translated from the original article.