​في الوقت الذي تُعيد فيه الوفود الدبلوماسية من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة تمهيد طريقها إلى دمشق، تبرز مشاهد مألوفةٌ عادةً ما تسبق عمليات إعادة الإعمار؛ إذ يتعهد المانحون بملايين الدولارات، ويصل خبراء اليونسكو محملين بمجلداتٍ حول الترميم والصيانة، وتضع المنظمات غير الحكومية الدولية مقترحاتٍ لإعادة ترميم أسواق حلب القديمة ومعالم تدمر التي دمّرها تنظيم داعش.

بعد أشهرٍ قليلة من سقوط نظام البعث، تكوّن إجماعٌ جديد حول ضرورة إعادة بناء سورية، وإعادة تراثها الشهير عالميًّا إلى مجده السابق. ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع إلى إعادة الإعمار- كما أوضح الباحثون- يُعرض البلاد لخطر تكرار الأخطاء نفسها التي غذّت النزاع بالدرجة الأولى. فإذا كان المجتمع الدولي يرغب حقًّا في بناء سلامٍ دائم فعليه التخلي عن نهجه التقليدي، وتبني إطار ديكولونيالي – لااستعماري، يضع المجتمعات السورية المتنوعة، لا الآثار المادية، في القلب من عملية التعافي.

لم يكن سقوط حكم الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مجرد قطيعة سياسية مع ما سبق، بل زلزالًا اجتماعيًّا وثقافيًّا. فقد استعمل نظام الأسد التراث سلاحًا لسنوات، مستخدمًا إعادة الإعمار في المناطق التي استعادها، مثل حلب، وسيلة لتحسين سمعته، واستعادة شرعيته المفقودة، وفرض سردية موحدة تحت رقابة الدولة حول النزاع في سورية. لم تكن عمليات إعادة الإعمار في تلك المناطق حفظًا للتراث، بل إعادة هندسة عنيفة للذاكرة، بأساليب قمعت القصص غير المتسقة مع سردية الدولة، وأسكتت أصوات من عانوا وحشية النظام. لم تكن تلك عمليات إعادة إعمار تحفظ التاريخ، وإنما "إعادة إعمار عنيفة".

والآن، وبعد إسقاط تماثيل الأسد، تواجه سورية سؤالًا جوهريًّا: هل سيظل التراث أداةً بيد السلطة، أم سيصبح أساسًا يُبنى عليه مجتمع أكثر عدالة وشمولًا؟ ولتحقيق الخيار الأخير، يمكن أن تستفيد الوزارات الانتقالية في دمشق من ثلاث سياسات عاجلة تقود مخططات إعادة الإعمار:

أولًا، من الضروري بلورة تعريف جديد لإعادة الإعمار بوصفها عملية اجتماعية وسياسية لا تقنية فقط. فالنموذج الدولي السائد، الذي قامت عليه عمليات إعادة الإعمار السابقة في العراق وأفغانستان، تعامل مع التراث على أنه أصول مادية يمكن تصليحها، وهو نهج يجذب المانحين؛ إذ إنه قابلٌ للقياس، ومغرٍ لإنتاج الصور والمواد البصرية، ويبدو وكأنه غير مُسيس. غير أن التراث لدى السوريين- وفق ما ناقشته في مقالتي الأكاديمية الأخيرة- مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية وسبل العيش وفهم الذات، وقد وصف رجل سوري دمار التراث وصفًا مؤثرًا إذ عدَّه "محوًا لتاريخي وتدميرًا لذاتي"، ومن ثم فإن إعمار الحجر دون إعمار النسيج الاجتماعي عملية عبثية.

بناء عليه؛ يجب أن تُعطي السياسات الأولوية لتوثيق الذكريات المتنازع عليها، ودمج السرديات المتعارضة، بحيث تتحول المواقع التراثية إلى فضاءات للتحاور بدلًا من أن تكون معارض لسردية وطنية هشة جديدة. وهو عين ما لاحظته امرأة سورية بقولها: "لكل شخص الحق في التعبير عن أفكاره… لأن للأجيال القادمة الحق الطبيعي في معرفة ما حدث".

ثانيًا، هناك حاجة لتمكين المجتمعات المحلية- وخاصة الأقليات– بوصفهم فاعلين أساسيين في عملية التعافي، ففي ظل الحكم البعثي، واجهت الأقليات العرقية والدينية تهميشًا منهجيًا؛ إذ حُرِم الكرد من حقوقهم اللغوية، في حين تعرض التراث المسيحي للتذويب في هوية عربية شديدة التسييس.

يفرض الإطار الفكري الديكولونيالي أن تكون المجتمعات هي المرجع الأساسي لإعادة إعمار التراث بعد النزاع، فالمسألة هنا ليست مسألة عدالة فحسب بل مسألةَ فاعليةٍ وتماسكٍ اجتماعي؛ فعندما ترى الأقليات العرقية هويتها ممثلة في التراث الثقافي الوطني، فإن ذلك يعزز شعورًا أعمق بالاندماج والانتماء.

يجب أن تتجاوز السياسات التمثيل الرمزي؛ وينبغي في المقابل توجيه الموارد مباشرة إلى المجتمع المدني المحلي، ودعم المبادرات التي تقودها الأقليات، وصياغة قوانين جديدة تكفل للمجتمعات حقًّا حقيقيًّا في تحديد ما يُعاد بناؤه، وكيفية إعادة البناء، وأيّ قصصٍ تُروى خلال ذلك. ويقدم مرسوم سورية الأخير رقم 13 لعام 2026، الذي يعترف بالهوية واللغة وحقوق المواطنة للكرد، نموذجًا قويًّا لذلك، على النقيض من قانون الآثار القديم لعام 1963.

ثالثًا، من الضروري التعامل مع الآثار التي خلفها النزاع بوصفها تراثًا حيًّا كذلك، فما زال المجتمع الدولي المعني بالترميم وإعادة الإعمار متمسكًا بنموذج ترميم مثالي، يسعى لإرجاع المواقع إلى حالتها المفترضة قبل الضرر (status quo ante). هذا النهج، المستند إلى تصوراتٍ أوروبية مركزية لمفهوم الأصالة، ينطوي على خطر "تبييض الماضي" بما يحمله من ألم. وكما أشارت إحدى السوريات فإن "الدمار أو النسيان أو الخراب يعد قيمةً إضافية… فعندما يُدمَّر شيء ما فإنه يشهد على مرحلة تاريخية محددة. وحتى عند ترميمه ينبغي ألا تمحو عملية الترميم آثار تلك الفترة". ومن هنا فعلى سياسات إعادة الإعمار أن تسمح بمقاربات منفتحة ومتفائلة، تحافظ على ثقوب الرصاص والحطام بوصفها طبقة جديدة من المعنى. هذه المقاربة، الآخذة في اكتساب الزخم في سياقات ما بعد النزاع، من بلفاست إلى برلين، تعترف بأن التاريخ الاجتماعي والسياسي للمدينة يشمل ماضيها المؤلم؛ ومن ثم فمحو هذه الآثار لا يعني فقط إعادة تشكيل المكان ماديًّا، بل إنكار تجارب الملايين الذين عاشوا تلك المرحلة وعانوا خلالها.

تتجاوز هذه التوصيات حالة سورية وحدها، فالدروس المستقاة منها تناسب المنطقة عمومًا وتتمثل في أن عمليات التعافي بعد النزاع تفشل إذا كانت مصممة من الغرباء عن السياق لإدارة الركام، بدلًا من أن تصممها المجتمعات لاستعادة مستقبلها. القوى نفسها - الولايات المتحدة، والصين، وأوروبا، ودول الخليج - التي فشلت في وقف الدمار في سورية لأكثر من عقد، تتحمل الآن التزامًا أخلاقيًّا بضمان ألّا تزرع جهودها بذور نزاعٍ آخر.

تتجه أنظار العالم مرة أخرى إلى سورية، وهذه المرة يجب أن يتحول نظره من عظمة حجارتها القديمة إلى تطلعات شعبها الحي. فخلق نهج ديكولونيالي وشامل ليس تمرينًا أكاديميًّا مجردًا؛ إنه مخطط عملي لتحويل التراث من أداة سيطرة استبدادية إلى أساس للعدالة، والشفاء، ولمستقبلٍ مشترك حقيقي. سيكون من الحكمة للمانحين والدبلوماسيين الذين يتوجهون الآن إلى دمشق أن يصغوا إلى السوريين الذين يعرفون دائمًا قيمة تراثهم الحقيقية.