تم نشر المقال الأصلي باللغة الإنجليزية على Middle East Eye
بعد مرور عشرين عامًا على إحدى البعثات الدولية الأكثر تكلفة في التاريخ الحديث، سواء من ناحية الخسائر في الأرواح أو النفقات المالية التي قُدّرت بتريليونات الدولارات الأميركية، لا يزال المجتمع الدولي اليوم غير مستعدّ- للأسف- لمواجهة الوضع في أفغانستان. وهناك أسباب عديدة تبرر التخوّف من عودة البلاد إلى حالة الجمود التي اتّسم بها حكم حركة طالبان في تسعينيات القرن الماضي.
ذلك أن بيانات السياسات العامة التي أصدرتها حركة طالبان، ومن ضمنها مجلس الوزراء بالإنابة الذي عيّنته الحركة، وقرار تمديد حظر تعليم الطالبات [فوق الصف السادس] ومنعهن من ارتياد المدارس الثانوية، قد جاءت مخالفة للتطمينات التي كان أعلنها دبلوماسيو حركة طالبان، ومغايِرة لتوقّعات المراقبين الخارجيين.
في الواقع أماط الانقسام الداخلي الذي يتجلى فيه تألُّب المتشدّدين على البراغماتيّين، اللثامَ عن التناقضات بين واجهة الحكومة الرسمية التي تتستّر خلفها حركة طالبان بعد استيلائها على كابل، من جهة، والمصادر غير الرسمية للسلطة المحافظة المتشدّدة التي تهيمن على عمليّة صنع القرار في حركة طالبان، من جهة أخرى.
إزاء هذه الخلفيّة، ما هي آفاق صنع السلام في أفغانستان بعد مرور عامٍ على استيلاء حركة طالبان على السلطة؟ وما مصير حركة حقوق النساء وتحقيق الإدماج ومكافحة الإرهاب؟
بناءً على تبادل الآراء الشخصي مع حركة طالبان منذ العام 2020، من خلال قنوات حوار تشمل جميع الأفغان، فإننا نعتقد أنّ هناك حيّزًا للنفوذ الدولي يتيح له التحكّم الإيجابي في التنافس الداخلي بين المتشدّدين والبراغماتيّين. إن هذه المرحلة الحسّاسة من توحيد السياسات، إذ تشهد انتقال حركة طالبان من ممارسة دور انتقالي إلى وضع أكثر ديمومة، تشكّل فرصةً مثاليةً للحلفاء الدوليين للشعب الأفغاني تتيح لهم صوغ السياسات التي توفر جوًّا من الاعتدال في أوساط حركة طالبان، وليس ثمة بديل صالح يغني عن التواصل مع السلطات الفعلية، غير أنّ ذلك يتطلّب التخلّي عن النهج الدبلوماسي الحالي.
احتكار المتشدّدين للسياسات العامة
يتعيّن على حركة طالبان، التي حاربت من أجل حقّها في حكم أفغانستان، أن تتحمّل مسؤولية حلّ المشاكل التي تنبثق من داخل صفوفها.
صحيح أنّ سلسلة القيادة العمودية داخل حركة طالبان متماسكة، إلا أنَّ هناك تداخلًا ومنافسة كبيرَين فيها. ومما يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة أن أغلبية المسؤولين في قيادة حركة طالبان لا يتمتعون بالصلاحيّات الكافية التي تتناسب مع ولايتهم؛ فالزعيم هبة الله أخوند زاده، الذي يقدم نفسه على أنه صورة عن مؤسس حركة طالبان الملا عمر، يتمتّع هو ودائرته الصغيرة من المستشارين المحافظين المتشدّدين بسلطةٍ منيعة، وكانت النتيجة بروز حركة شديدة الانضباط، وإن كانت في الوقت نفسه غير منظّمة إلى حد بعيد.
إنّ تراجع طالبان في اللحظات الأخيرة عن قرارها السابق بإعادة فتح مدارس البنات الثانوية في آذار/ مارس، تسبّب بدرجة كبيرة من الإحراج في صفوف التيار المنفتح على الخارج ضمن حركة طالبان؛ إذ لم تخسر مصداقيّتها أمام المجتمع الدولي فحسب، بل إن اتخاذ القرار من قبل رئيس القضاة ووزير الحج والشؤون الدينية ووزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكشف حقيقة أنّ السياسات التي تصوغها حركة طالبان لا تحترم القنوات المعتادة المحدّدة لاختصاصات الوزارات.
يعبّر مسؤولون كبار في المجالس الخاصة، في كابل والدوحة، عن امتعاضهم من كون مجموعة صغيرة في قندهار أصبحت تُحكم قبضتها الحديدية على عمليّة صنع القرار، وسط مخاوف واسعة النطاق من أن يكون مصير الحكومة الأفغانية الانهيار في حال استمرّ احتكار السياسات هذا.
يحلّ النفوذُ غير الرسمي محلَّ المناصب الرسمية للسياسيين الذين جرى تعيينهم، ما يدفع الدبلوماسيين للتساؤل عمّا إذا كان هنالك أيّ هدف سياساتي حقيقي للاجتماع أو للتفاوض مع المسؤولين الرسميين في حركة طالبان.
قد تكون إعادة تشكيل الوفود الدبلوماسية الرسمية في كابل مهمة صعبة، لا من الناحية السياسية فحسب، بسبب المخاوف المحقّة بشأن إضفاء الشرعية على السلطات الفعلية، وإنما أيضًا من الناحية القانونية بالنسبة إلى بعض الدول التي تعتمد تشريعات مكافحة الإرهاب المناهضة لحركة طالبان. إلا أنه بسبب تهميش الممثّلين لحركة طالبان في الدوحة، تتنامى صعوبة تبرير الثمن الذي قد تدفعه هذه الدول في حال عدم تشكيلها تلك الوفود الدبلوماسية. يجب أن يتحلّى الممثلون الدبلوماسيون بالقدرة على تبادل الآراء الواعية مع حركة طالبان التي تتمتع بالنفوذ الفعلي، وأن يستطيعوا تقويم مستويات الأمن في العاصمة ودرجات القلق التي تعتري مجموعات الأقليّات، بشكلٍ مستقلٍّ.
عمليات تبادل الآراء المثمرة
يجب ألّا تعني عودة الدبلوماسية إلى كابل انسحابًا كاملًا لممثلي حركة طالبان في الدوحة. فالمكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة يواصل العمل تحت قيادة سهيل شاهين، تعاوِنُه مجموعة صغيرة من حركة طالبان تتواصل مع المجتمع الدولي، وعلى الرغم من أن تهميش هذه المجموعة فإنها تعدُّ احتياطيًّا مهمًّا للتيار البراغماتي المنفتح على الخارج ضمن الحركة، وهو قادر على تعزيز عمليات تبادل الآراء المثمرة مع المجتمع الدولي.
خلال العام الماضي، لم تقدم حركة طالبان لغيرها من الجماعات إلا مبادرات قليلة جدًّا لتحقيق المصالحة السياسية، على الرغم من أن هناك العديد من القضايا التي قد يتّفق عليها جميع الأطراف في أفغانستان، وفق ما تؤكده الأدلة. ويُعدّ تأسيس لجنة الاتصال وعودة الشخصيات الأفغانية التي تسعى إلى تسهيل عودة الأفغان الذين غادروا البلاد بعد سقوط كابل، تطورًا إيجابيًّا. فكبار الممثلين في الدوحة مهتمون أيضًا بالتشاور مع أفغان آخرين، لكن يجب تحويل هذه النوايا إلى واقع عملي.
وأصبح البراغماتيّون في حركة طالبان موضع شك وارتياب من قبل أعضاء الحركة الذين يتهمونهم بالانصياع لأوامر أجنبية، في حين يحتفي البعض بوصفهم منبوذين من المجتمع الدولي؛ لأنهم يرون ذلك دليلًا على الشهادة الحقيقية في سبيل الدين. غير أنّ آخرين في حركة طالبان يرون ذلك بمنزلة إلحاق الضرر بمصالحهم الشخصية؛ فالدعم الدولي، في بعض النواحي، يضعف أولئك الذين يسعى هذا الدعم إلى تمكينهم.
غير أنه لا يزال من المتعيّن اختبار ما إذا كان الحوار يشكّل حلًا قابلًا للتطبيق بغية تخفيف القبضة المحكمة للمحافظين المتطرّفين في حركة طالبان، والتمهيد للوصول إلى حلّ سياسي معتدل يشمل جميع الأطراف في أفغانستان لوضع حدّ فعليّ للنزاع في البلاد. والوقت ليس في مصلحة الشعب الأفغاني، في ظل أزمة إنسانية متفاقمة، يمكن تفاديها كليًّا، سببها عزلة الحكومة.