ربما حان الوقت لتفكيك الأبراج العاجية وإعادة ترتيب قطعها لنبني بها مساكن كريمة لأكثر من 6 ملايين إنسان انتهكت إنسانيتهم في الخيام على مدى السنوات الفائتة في الداخل السوري، فضلا عن حوالي مليونين في مخيمات دول الجوار.

يطل المجتمع الدولي من أعلى ذلك البرج رافعا راية "قاعدة عدم الضرر"، فيما نشهد رقعة الضرر تتسع متمددة رأسيا وأفقيا كما لم يحدث من قبل.

بداية، علينا الاعتراف بأن زمن النظرة التقليدية لعمليات التعافي وإعادة الإعمار -باعتبارها متلازمة مع انتهاء الحرب ومع وجود حكومة موحدة ورسمية بالضرورة- قد انتهى، وبدأت تظهر حالات متعددة خارج هذا النطاق، ومن شواهد ذلك ما رأيناه في غزة مثلا، حيث حكومة الأمر الواقع مستمرة لأكثر من عقد ونصف، فيما تقصف البنية المدنية بشكل دوري، وتتعهد الدول وتعد بالمليارات، لكن النتيجة تؤول إلى الصفر إلا قليلا.

وفي أفغانستان، يعاني الملايين منذ عقود فيما تستمر الحرب وتتبدل السلطات، لتنتهي أخيرا إلى حكومة أمر واقع جديدة يرفض المجتمع الدولي الاعتراف بها، ثم يبقى الحال على ما هو عليه: السياسة أولا ثم الإعمار، وأشياء أخرى، والإنسان في نهاية القائمة، وتساق مبررات ذلك تحت مظلة الإنسانية والأمن وحفظ حق العودة.

اليوم، يمكن لزائر مخيمات النزوح في الشمال السوري أن يرى أثر تلك "المعايير" والممارسات المبنية عليها كما لم يكن قبلا، تقطع بالسيارة عشرات الكيلومترات تشاهد فيها الخيام على مد البصر، على السهول والسفوح وحتى الجبال الصخرية، وقد تظن لوهلة أنك في عالم افتراضي غير الذي نعرفه، ويظن الطفل في تلك الخيمة على اليمين وتلك الطفلة تحت السقف البلاستيكي المتشقق أمامك أن هذه هي طبيعة العالم.

لأكثر من 10 سنوات يقيم ملايين السوريين في الخيام وتتزايد أعدادهم يوميا، وما كان حلا مؤقتا يبدو أن توقيته المجهول قد يستمر بالتمديد، وهو يتفاقم ويتعزز عبر معايير إنسانية دولية، وحتى في حالات البلدان القليلة التي قدمت وتقدم دعما -ولو كان بسيطا- يمكن تصنيفه تحت أنشطة التعافي وإعادة الإعمار لتوفير بيئة مناسبة للعيش، ونجد أنها تعمل في الميدان بشكل خجول وغير مباشر، والسبب "القانون الدولي".

الخيام في معسكرات النزوح ليست حلا حقيقيا ولا تقترب حتى من الحل حين تطول المدة، مشاكل كثيرة تنشأ عن السكن في الخيام، تبدأ بمعاناة البرد القارس والحر الشديد والأمطار، والمشكلات النفسية والصحية، واختراق الخصوصية والحياة الشخصية -بالذات في ما يخص النساء- والنزاعات الاجتماعية الناشئة عنها، ولا تنتهي بالمعضلات طويلة الأمد، لنشهد ضياع جيل بالكامل كان من الممكن أن يستثمر لتعمير وطنه.

ولا يتوقف الأمر هنا، فعادة ما تكون صلاحية الخيمة 6 أشهر، تغطي فترة الشتاء أو الصيف، ثم يتم تبديلها، وهو ما قد يحدث أو لا يحدث، تكلفة تلك الخيمة حوالي 600-800 دولار، لا تجد المنظمات الإنسانية غضاضة في تكرار إنفاقها مرات ومرات، فيما ترفض إنفاق حوالي 1700 دولار مرة واحدة مقابل إنشاء مسكن كريم من "الكونكريت" يخفف معاناة النازح/ اللاجئ، فضلا عن التكاليف الكبيرة المنفقة سنويا لمعالجة مشكلات السكن في الخيام والبرد القارس مع حلول فصل الشتاء.